من هدايات السنة النبوية (17) المؤمن للمؤمن كالبنيان الحمد لله الخلاق العليم؛ خلق القلوب وقلَّبها، ويعلم سرها ومستودعها، لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة، نحمده على ما هدانا واجتبانا، ونشكره على ما أولانا وأعطانا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ جعل رابطة الإيمان أعظم الروابط وأقواها وأبقاها ﴿ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف: 67] وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ أوتي جوامع الكلم، ومحاسن النطق والوصف، فكانت كلماته وجمله تعد، وكانت معانيها وفوائدها لا تحد، وكان العلماء ولا زالوا يغترفون من حديثه علما غزيرا، ونفعا عظيما، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، والتزموا دينه، فعظموا أمره، واجتنبوا نهيه؛ فإن الجزاء عليه عظيم، وفي الإعراض عنه عذاب أليم ﴿ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا ﴾ [طه: 99 - 101]. أيها الناس: الاهتداء بالسنة النبوية سبيل أهل الإيمان واليقين، والإعراض عنها أو ردها طريق أهل النفاق والزيغ؛ لأنها من الوحي ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 3- 4] وقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ». وفي حديث نبوي عظيم يبين لنا أن ما تعيشه الأمة المسلمة من تفرق واختلاف، وضعف وهوان، وتخلف وانحطاط؛ إنما كان بسبب مخالفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الاجتماع على الدين، وأخذه كله بقوة ويقين، وعدم تفرقته بأخذ بعضه وترك بعضه؛ فإن تفرقة الدين سبب لتفرق القلوب واختلافها، وتباغض المجتمعات وتناحرها، حين يركبون أهواءهم، ويتركون شريعة ربهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 159] وفي آية أخرى ﴿أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13]. وهذا حديث من جوامع الكلم، وفيه براعة في التشبيه، فمن فهمه حق الفهم علم داء الأمة العضال، وأدرك سبب شفائها منه. ذلكم هو حديث أَبِي مُوسَى الأشعري رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ» متفق عليه. في هذا الحديث تشبيه قولي وتشبيه فعلي؛ فشبه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن للمؤمن بالبنيان، ثم أتبع التشبيه القولي بتشبيك أصابعه، والجامع بين التشبيهين القوة والمتانة والصلابة. ويفهم من تشبيكه أصابعه: أن تعاضد المؤمنين بينهم كتشبيك الأصابع بعضها في بعض، فكما أن أصابع اليدين متعددة فهي ترجع إلى أصل واحد وجسد واحد، فكذلك المؤمنون وإن تعددت أشخاصهم فهم يرجعون إلى أصل واحد، وتجمعهم أخوة النسب إلى آدم ونوح، وأخوة الإيمان. وأما التشبيه بالبنيان فهو من أبلغ التشبيه؛ ذلك أن اللبنة الواحدة يمكن هشمها ونثرها، وكذلك الحصاة الواحدة يمكن كسرها، والجدار الواحد يمكن إسقاطه. فإذا وضعت اللبنات والحصى بعضها على بعض وتشابكت قويت واشتدت، وإذا تشابكت الجدر طولا وعرضا تم البناء، وصار محكما قويا يعسر هدمه أو إسقاطه. فهذا الحديث ظاهره الإخبار بحال المؤمنين، ومعناه الأمر بأن يكونوا كالبنيان في تعاضدهم، وهو تحريض على التعاون. وفي أحاديث أخرى شبه تلاحم المؤمنين وتعاضدهم وتناصرهم بالجسد الواحد كما في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» رواه الشيخان وَفِي رِوَايَةٍ لمسلم: «الْمُسْلِمُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنِ اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ وَإِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ» وَفِي حَدِيث سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ يَأْلَمُ الْمُؤْمِنُ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ كَمَا يَأْلَمُ الْجَسَدُ لِمَا فِي الرَّأْسِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. ومقتضى كون المؤمنين كالبنيان الواحد، وكالجسد الواحد، أن يتناصروا ويتعاضدوا ويتعاونوا على البر والتقوى، ويتناهوا عن الإثم والعدوان، ويتواصوا بالحق، ويتناصحوا في الله تعالى. أما في جانب النصرة: فالقرآن دال عليها، آمر بها، مرغب فيها ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ [الأنفال: 72] ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: 74]. وَقَالَ النبي صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» رَوَاهُ البُخَارِيُّ. وقد ضعفت نصرة المؤمنين بعضهم لبعض في هذا الزمن بسبب الفرقة والاختلاف الذي سببه تفرقة الدين، وارتكاب المحرمات، والتقصير في الطاعات، فغل الأعداء أيديهم عن نصرة إخوانهم. وأما في جانب تعاضدهم وتعاونهم: ففيه قول الله تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] وقول النَّبِيُّ صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ؛ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ ...» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ، وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ، يَكُفُّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: «أَيْ: يَمْنَعُ تَلَفَهُ وَخُسْرَانَهُ» وفي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ...» رواه مسلم. فكل هذه الأحاديث تدل على التعاضد والتعاون بين المسلمين، وأن يسند قويهم ضعيفهم، وغنيهم فقيرهم، وأن يقف المعافون منهم مع من ابتلوا بتسلط أعدائهم عليهم. وأما في جانب تناصحهم وتواصيهم: ففيه قول الله تعالى ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 3] وفي آية أخرى ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: 17] وفي حديث جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وفي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ... وَذَكَرَ مِنْهَا: وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ فحري بكل مؤمن أن يحقق الأخوة الإيمانية، وما تقتضيه من الحقوق والواجبات؛ فيفرح لفرح المؤمنين، ويحزن لحزنهم، ويألم لآلامهم، ويهتم لهمومهم، ولا يكن همه أن يعيش لنفسه؛ فإن أخوة الإيمان لا تنقطع في الدنيا ولا في الآخرة ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم... الخطبة الثانية الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين. أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وحققوا أخوة الإيمان؛ فإنها تعلو أخوة النسب والعشيرة والقبيلة والوطن ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]. أيها المسلمون: حديث تمثيل المؤمن للمؤمن بالبنيان المتماسك ينبغي أن يعيه كل مؤمن، ويعمل به؛ ليكون للمؤمنين قوة ومنعة؛ فإن المؤمن يقوى بإخوة المؤمنين له، وتنتفي غربته، وتزول وحشته. قال القرطبي تعليقا على الحديث: هذا تمثيل يفيد الحض على معاونة المؤمن للمؤمن ونصرته، وأن ذلك أمر متأكد لا بد منه؛ فإن البناء لا يتم ولا تحصل فائدته إلا بأن يكون بعضه يمسك بعضاً ويقويه. وإن لم يكن ذلك انحلت أجزاؤه، وخرب بناؤه، وكذا المؤمن لا يشتغل بأمر دنياه ودينه إلا بمعاونة أخيه ومعاضدته ومناصرته، فإن لم يكن ذلك عجز عن القيام بكل مصالحه، وعن مقاومة مضادّه فحينئذٍ لا يتم له نظام دنيا ولا دين، ويلحق بالهالكين. وفي عصرنا هذا تكالبت أمم الكفر وكتائب النفاق على المؤمنين، تنتقص أرضهم، وتنتهك عرضهم، وتمنعهم حقهم، وتنال من سيادتهم، وتحول بينهم وبين دينهم. ومذابح المسلمين في بورما والشام والعراق واليمن وغيرها من البلاد المنكوبة تنقل إلينا كل يوم. فيجب نصرة أولئك المستضعفين بما يستطاع من النصرة، وخاصة الدعاء؛ فإن له أثرا عظيما في كف الأعداء ونصرة المستضعفين. لقد سلطت الأمة الباطنية بعصبيتها العرقية، ومشروعاتها التوسعية، على بلاد المسلمين تنتقص أجزاءها، وتعيث فسادا في أرضها، وتنتهك عرضها، وتهين كرام رجالها، وتدنس مقدساتها.. يفعلون ذلك في كثير من بلاد المسلمين، ويعينهم الكارهون لأهل السنة من الكفار والمنافقين، وذوي الحظوظ الدنيوية. وأفعال الحوثيين في اليمن ليست تخفى على بصير؛ فإنهم أحلوا الفوضى فيها، وسلبوا أمنها ورزقها حتى خاف أهل اليمن وجاعوا، وهم يستغيثون المسلمين في عدن وما حولها يشتكون شدة الحر والعطش، مما ينذر بكوارث متوقعة للعزل والمساكين إن لم يغاثوا. نسأل الله تعالى أن ينصر جنودنا المرابطين في اليمن وعلى الحدود الجنوبية على الحوثيين والانقلابيين، وأن يخلص أهل اليمن من شرهم. إنه سميع مجيب. وصلوا وسلموا على نبيكم... رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/115473/#ixzz4fUWxcElm
في حجية السنة النبوية (1) الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد: فهذه دراسات حول السنة النبوية ونبدأ هذه الحلقة بـ "حُجيَّة السنة النبوية" ووجوب العمل بمُقتضاها ومدلولها، واتخاذها منهجًا لفهم القرآن الكريم، وحرمة مخالفتها، سواء كانت: آحادًا، أو متواترة، أو مَشهورة، كما يجب على المسلم أن يعتقد يقينًا أن السنة النبوية مُنشئة للأحكام. وهنا نسجِّل الأدلة النقلية على هذه الحُجية من الكتاب والسنَّة وأقوال الصحابة وأقوال الأئمة الأربعة من الفقهاء وأقوال بعض أئمة السنَّة، وسنُحاول عند هذا الاستدلال النقلي الطويل تسجيل بعض وجوه الدلالة من هذه النصوص، بقدر ما يتَّسع له المجال بحول الله وقوته. أولاً: من الكتاب والسنَّة معًا: لقد أنزل الله تعالى في كتابه آيات كثيرة، وكذلك في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما يُثبت حُجية السنَّة النبوية، وهذه الآيات والأحاديث بعد دراستها منهجيًّا من حيث دلالة ألفاظها ومعانيها، اشتملت عندي على أنواع كثيرة من المعاني، سأَكتفي هنا بذكر ثلاثة أنواع من المعاني التي اشتملت عليها الآيات والأحاديث. النوع الأول: ما يدلُّ من القرآن الكريم والسنة النبوية على وجوب الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومعنى الإيمان به هو: "طاعته فيما أمرَ، وتصديقه فيما أخبر به، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يُعبَد الله إلا بما شرع". لهذه المعاني تأمَّل في الآيات والأحاديث الآتية: 1. في سورة النساء (الآية: 136)، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا ﴾ [النساء: 136]. 2. وفي سورة الحديد (الآية: 28)، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم ﴾ [الحديد: 28]. 3. وفي سورة الأعراف (الآية: 158)، قال تعالى: ﴿ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون ﴾ [الأعراف: 158]. 4. وفي سورة التغابن (الآية: 8)، قال تعالى: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير ﴾ [التغابن: 8]. 5. وفي سورة الحديد (الآية: 7)، قال تعالى: ﴿ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِير ﴾ [الحديد: 7]. 6. وفي سورة الفتح (الآية: 8، 9)، قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾ [الفتح: 8، 9]. 7. وفي سورة الحجرات (الآية: 15)، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُون ﴾ [الحُجُرات: 15]. 8. وفي سورة النور (الآية: 62)، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيم ﴾ [النور: 62]. 9. وفي سورة الأحزاب (الآية: 36)، قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِينًا ﴾ [الأحزاب: 36]. 10. وفي سورة الحديد (الآية: 19)، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيم ﴾ [الحديد: 19]. 11. وفي سورة النساء (الآية: 171)، قال تعالى: ﴿ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ﴾ [النساء: 171]. 12. وفي سورة الفتح (الآية: 13)، قال تعالى: ﴿ وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا ﴾ [الفتح: 13]. 13. وفي سورة النساء (الآية: 60، 61)، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا ﴾ [النساء: 60، 61]. 14. وفي سورة النساء (الآية: 65)، قال تعالى: ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65]. أما من السنَّة مما يدلُّ على الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم فنُسجِّل حديثًا واحدًا، وهو في صحيح ابن ماجه في باب الإيمان، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده، ووالده، والناس أجمعين)). إن المقصود من تسجيل هذه الأربع عشرة آية، من مختلف سور القرآن الكريم، بالإضافة إلى الحديث الذي أثبتناه عقب الآيات، كان المراد من ذلك كله، التدليل على ثبوت حُجيَّة السنة النبوية، أما وقد أصبح - وأضحى وأمسى - ذلك بينًا وثابتًا ومُسلَّمًا بناءً على هذه المقدمة النقلية الطويلة، فلنسجِّل مجمل وجه الدلالة من هذه الآيات والأحاديث، فأقول وبالله التوفيق والسداد: إن الله - عز وجل - أردفَ الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم بعد الإيمان به - عز وجل - في كل الآيات، فوجب على كل مسلم ومسلمة - بمقتضى هذا الإيمان الذي هو التصديق - أن يصدِّق الله ورسوله في ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في سُنَّته. وعلى هذا تكون سنته صلى الله عليه وسلم - آحادًا كانت أو مُتواترة أو مشهورة، قولية كانت أو فعلية أو تقريرية، متى ما صحَّت السنَّة عن النبي صلى الله عليه وسلم، على ضوء قواعد علم الحديث التي دشَّن الصحابة أسسها الأولى، ثم مَن تبعَهم بإحسان، خاصة أهل القرون المفضَّلة - واجبة الإيمان بها كالإيمان بالقرآن الكريم تمامًا بتمام؛ إذ الكل مصدره هو الله - عز وجل - قال تعالى في سورة النجم (الآية 3، 4): ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 3، 4]. ولهذا يجب أن يكون تقييم المسلم لما حوله من اتجاهات وطوائف على ضوء (الآية: 137) من سورة البقرة؛ قال تعالى: ﴿ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم ﴾ [البقرة: 137]. هذه الدراسة إن لم تكن أحد السيوف الباترة لشُبَه مُنكري السنَّة النبوية فهي مدخل أساسي لتمكين أبناء المسلمين من مقابض الأسلحة التي بها - بعد توفيق الله - يتمكَّنون من نشر الإسلام والدفاع عن مصادره، وموارده، وأبنائه، وأهله، ودياره. المصدر: مجلة التوحيد، عدد صفر 1414 هـ، صفحة 15 رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/77540/#ixzz4fUX8xSYD
السنة النبوية وحي من الله السنة النبوية وحي من الله كما قال الله تعالى: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم:3-4]. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سئل سؤالاً وعنده فيه علم من ربه أجاب وإلا انتظر الوحي. مثاله: ما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ [الأنعام: 82] شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13]". وفي الصحيحين أيضاً عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: بينما أنا أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث، وهو متكئ على عسيب، إذ مر بنفر من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقالوا: ما رابكم إليه، لا يستقبلكم بشيء تكرهونه، فقالوا: سلوه، فقام إليه بعضهم فسأله عن الروح، قال: فأسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يرد عليه شيئاً، فعلمت أنه يوحى إليه، قال: فقمت مكاني، فلما نزل الوحي قال: "﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 85]". رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/92892/#ixzz4fUXJ4JLk
إبطال دعوى الملاحدة نفي السببية في ميكانيكا الكم بحجة أن النتيجة قد تسبق السبب الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسَلين، وعلى أصحابه الغرِّ الميامين، وعلى من اتَّبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد: فقد انتشر في عصرنا مرَضُ الإلحاد، وهو أحد الأمراض الفكرية الفتاكة؛ إذ يَفتك بالإيمان، ويُعمي الحواس عن أدلَّة وجود الخالق الرحمن، وتجد المريض يُجادل في البديهيات، ويَجمع بين النقيضَين، ويفرِّق بين المُتماثِلَين، ويَجعل من الظن علمًا، ومِن العلم جهلًا، ومن الحق باطلًا، ومِن الباطل حقًّا. ومن عوامل انتشار هذا المرض: الجهل بالدِّين، وضعف العقيدة واليَقين، والاسترسال في الوساوس الكفرية، والسماع والقراءة لشبهات أهل الإلحاد دون أن يكون لدى الإنسان علم شرعي مؤصَّل. وشبهات أهل الإلحاد ما هي إلا أقوال بلا دليل صحيح، وادِّعاءات بلا مُستند راجح، ورغم ضَعفها وبُطلانها فإنها قد تؤثِّر في بعض المسلمين؛ لقلَّة العلم، وازدياد الجهل بالدين، ولذلك كان لا بدَّ مِن كشف شبهات ومغالطات ودعاوى أهل الإلحاد، شُبهة تلو الأخرى، ومغالطة تلو المُغالَطة، ودعوى تِلْو الدعوى؛ حتى لا يَنخدِع أحد بكلامهم وشُبَهِهم. ومن مُغالطات الملاحدة: ادعاء أن السببية لا وجود لها في ميكانيكا الكمِّ؛ بحجة أن النتيجة قد تسبق السبب في العالم الكمِّي، فتأتي النتيجة قبل السبب. وقبل بيان خطأ هذه الدعوى، حريٌّ بنا أن نعرف ما هي ميكانيكا الكم، وما هي السببية؛ فالحكم على الشيء فرع عن تصوُّره. وميكانيكا الكم هي العِلم الذي يختصُّ بدراسة سلوك المواد المتناهية الصِّغَر مِن جسيمات ذرية وجسيمات تحت الذرية، وقد جاء كتعميم وتصحيح لنظريات نيوتن الكلاسيكية في الميكانيكا، وخاصة على المستوى الذرِّي ودون الذرِّي، وقد نجح في تفسير العديد من الظواهر التي لم تستطع الفيزياء الكلاسيكية تفسيرها. والسببية (العلية) Causalityهي علاقة بين السبب والنتيجة[1]، وتَقتضي السببية أن لكل حادثة علة تسبقها وتؤدِّي إليها[2]؛ أي: لكل ظاهرة سبب أو علَّة لوجودها، وما مِن شيء حادث إلا كان لوجوده سبب يفسِّر وجوده[3]، والعقل يُدرك ذلك تلقائيًّا، وبلا مَعونة الحسِّ والتجربة؛ كالتلازم والتلاحُم بين وجود البناء ووجود الباني، والجناية والجاني[4]. ودعوى إلغاء السببية في عالم الكم لأن النتيجة قد تسبق السبب ظاهريًّا - دعوى تعود على نفسها بالإبطال؛ إذ كيف تكون السببية مُلغاة، والسبب ما زال يسمى سببًا، والنتيجة ما زالت تسمى نتيجة، ولو كانت السببية مُلغاة ما سُمي السبب سببًا، وما سُميت النتيجة نتيجة؟! وهذا الهراء أشبه بادعاء عدم وجود جريمة قتل رغم وجود قاتل ومَقتول. ودعوى إلغاء السببية في عالم الكم لأن النتيجة قد تَسبق السبب ظاهريًّا - فيها استِدلال على رد السببية في عالم الكمِّ بما ينطوي على الاعتراف بها، ولا يَخفى ما في هذه الدعوى من التناقُض، ولو كانت السببية مُلغاة في عالم الكم، فقد أبطلت الاستدلال بها على بطلان السببية، وإذا لم تكن مُبطلة للسببية، فلا حُجة فيها على بطلان السببية. ولأن السببية أحد مبادئ العقل، فهي تتَّصف بما تتصف به المبادئ العقلية، والمبادئ العقلية تتصف بصفتين رئيسيتين: أ - أنها ضرورية؛ أي: لا تقبل التعديل ولا الاحتمال، ولا تتوقف على الأفراد والظروف؛ ولذا فهي فطرية في الإنسان. ب - أنها كلية؛ إذ تُسلِّم بها كل العقول، وتَحكم كل الأشياء[5]. وبالتالي السببية مبدأ عام، وحكم عام على جميع الأشياء المُحدثة، والزعم بعدم صحة مبدأ السببية في عالم الكم زعم باطل يُخالف كليةَ مبدأِ السببية التي يشهد بها ويقرُّ بها العقل السليم. وعند التعامل مع الإليكترون والفُوتون، وعند التعامل مع الجسيمات الذرية والجسيمات تحت الذرية، لا نستطيع الحصول إلا على حقائق جزئية نسبية، لا حقائق كلية مُطلَقة، وبالتالي لا يصح أن تكون هذه الحقائق النسبية حكمًا على الحقائق المُطلَقة، التي من ضمنها مبدأ السببية. وليس من الضروري بالنسبة للسببية أن تأتي النتيجة في إدراكنا وحواسنا متأخِّرة عن سببها، فمن الممكن أن تأتي مع السبب في وقت واحد، وقد تأتي سابقةً عليه، لكن هذا لا يُغيِّر من حقيقتها، ولا يلغي إطلاق اسم النتيجة عليها؛ فقد أرى نور الشمس قبل أن أرى الشمس، وقد أسمع الرعد قبل أن أرى البرق، وقد أرى المقتول قبل أن أرى القاتل. ومن المعروف عند علماء الكم أن عالَم الكم عالم غريب معقَّد، تسُوده الاحتمالية بدلًا مِن الحتميَّة؛ ففيه لا يُمكن وصف الإليكترون بموجة وحيدة، ولكن يوصف بحزمة من الموجات، ومن خلال سلوك الموجات مِن حيث التداخل البنَّاء والهدام تظهر احتمالية لوجود الإليكترون بمنطقة محددة[6]، وفي عالم الكمِّ لا يمكن رصد وتحديد موقع وكمية تحرُّك الإليكترون بدقَّة في آنٍ واحد، فكلما زادت الدقة في رصد كمية تحرُّك الإليكترون، قلَّتِ الدقة في تحديد موقعِه، وكلَّما زادت الدقة في تحديد موقع الإليكترون، قلَّت الدقة في تَحديد كميَّة تحرُّكه، فيما يُعرف بمبدأ عدم التأكُّد لهايزنبرج Heisenberg'suncertaintyprinciple، وفيه أنَّ الأمواج يُمكن أن تَسلك كالجسيمات، والجسيمات تظهر صفات موجيَّة[7]، والجسيمات المتحرِّكة تتمتَّع بخواص ازدواجية[8]، فيما يعرف بالطبيعة المزدوجة للمَوجة والجسيم Wave-particleduality؛ أي: إن الجُسيمات لها طبيعة مُزدوَجة؛ بمعنى أنها جُسيمات مادية لها خواص موجية، فيُمكن أن تتصرَّف كموجة ويُمكن أن تتصرَّف كجسيم. ونظرًا لطبيعة عالَم الكمِّ الاحتمالية، نجد ظاهريًّا في بعض الأحيان انقلابًا في الوضع المنطقي؛ بحيث تسبق النتيجةُ السبب، ولكن هذا الانقلاب ليس إلا خداعًا يعود في جوهره إلى طبيعة عالم الكمِّ الاحتماليَّة، ولا يعودُ مُطلقًا إلى انقِلابٍ في قانون السببية. وإذا أثبت العلم أن النتيجة قد تَسبق السبب أحيانًا، فهذا لا يُغيِّر من حاجة النتيجة إلى سبب، ولا يستلزم ذلك نقضَ مبدأ السببية، وهذا السبق سبق ظاهري وليس حقيقيًّا؛ بسبب الطبيعة الاحتمالية لعالَم الكمِّ، فليس للجسيمات تحت الذرية مسار واحد في عالم الكمِّ، وإذا أردنا معرفة مسار وجود جسيم، فعلَينا حساب احتمال وجوده في مكان معين؛ أي: تحديد مسار الجسيم يكون بطريقة احتمالية، وليس تحديد مساره بالضبط، وهذا الاحتمال تقوم موجة احتمالية بوصف مكانه، وتُوصف موجة الاحتمال عن طريق مُعادلة موجية كمُعادلة شرودنجر. ودعوى إلغاء السببية في عالم الكمِّ لأن النتيجة قد تسبق السبب - دعوى ناشئة عن الاعتقاد بأن السببية ليس إلا ملاحظة حدوث تعاقب بين حدَثَين، وهذا فيه خلط بين السببية ومعرفة السبب، والسببية عندهم اقتران ثابت بين حدثين؛ فمثلًا: الحدث أ يعقبه الحدث ب، إذًا الحدث أ سبب الحدث ب، والحدث ب نتيجة الحدث أ، فأرجَعوا معرفة السبب والنتيجة إلى ترتيب تَعاقُبهما، فإذا توالى حدَثان فالأول سبب والثاني نتيجة، مع أن ترتيب التعاقب ليس شرطًا في معرفة مَن السبب ومَن النتيجة؛ فقد أرى السبب قبل أن أرى النتيجة، وقد أرى النتيجة قبل أن أرى السبب، والعلامة المميزة للنتيجة هي الحاجة والافتقار؛ أي: حاجة النتيجة إلى سبب، وافتقار النتيجة إلى سبب، سواء رأيت السبب أولًا أو رأيت النتيجة أولًا، وعندما أرى مقتولًا، فحتمًا لا بدَّ أن يكون له قاتل، وعندما أرى حدثًا، فحتمًا لا بدَّ أن يكون له مُحدِث. وختامًا: لو لم تكن السببية موجودة في عالم الكمِّ، لما تمكَّن العلماء من تفسير الكثير من الظواهر الكمومية، والعلماء ما زالوا يُحاولون جاهدين تفسير الظواهر الكمومية التي لم تفسَّر بعد، وهذا اعتراف ضمني منهم بأن الظواهر الكمومية لها تفسير، ومِن ثمَّ لها سبب، وإذا كان العلماء قد استطاعوا مُلاحظة الكثير من الظواهر العجيبة في العالم تحت الذرِّي، وتمكَّنوا مِن تفسيرها، وهذه الظواهر تقبَل التفسير، وهي مُطَّردة ومُتكرِّرة، فهذا ينفي الصدفة والعشوائية، ويدلُّ دلالة واضحة على وجود واضع ومُنشئ ومسنِّن لها، فمَن الذي سنَّ هذه الظواهر لهذا العالم الصغير؟! هذا، والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات. [1] انظر: المعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية بمصر ص: 96، والمعجم الفلسفي؛ للدكتور جميل صليبا 1 / 649. [2] فلسفة العلوم الطبيعية؛ للدكتور عبدالفتاح مصطفى غنيمة ص: 173. [3] انظر المعجم الفلسفي؛ للدكتور جميل صليبا 1 / 649. [4] مذاهب فلسفية وقاموس مصطلحات لمُحمد جواد ص: 169. [5] مدخل جديد إلى الفلسفة؛ للدكتور عبدالرحمن بدوي ص: 156. [6] أساسيات ميكانيكا الكمِّ؛ أ. د. إبراهيم محمود أحمد ناصر،د. عفاف السيد عبدالهادي ص: 37. [7] الكيمياء العامة: المفاهيم الأساسية؛ لريموند تشانغ ص: 218. [8] أساسيات ميكانيكا الكم؛ أ. د. إبراهيم محمود أحمد ناصر، د. عفاف السيد عبدالهادي ص: 35. رابط الموضوع: http://www.alukah.net/sharia/0/102941/#ixzz4fUXfkswq
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire